عبد الرحيم اباذرى ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
76
الشيخ محمد الغزالي
--> وأتذكّر أنّني شاركت في جرد مكتبته الخاصّة عقب وفاته ، فوجدت بها أُلوف الكتب وعلى بعضها تعليقات له . ومع سعة معرفته فإنّه ليس عارض ثقافات تستهوي الألباب بقدر ما هو صاحب رسالة يجمع الناس حولها ، ويربطهم بمبادئها ، ويجنّدهم فكرياً وسلوكياً لخدمتها . . كان ذكاؤه مدهشاً ، وذاكرته حديدية ، وقدرته على تأليف القلوب عجيبة . كان المستمع يخرج من لقائه وهو عاشق للإسلام غيور على تعاليمه راغب في الدفاع عنه والموت في سبيله » . وقد سأل الأُستاذ محمّد المجذوب الشيخ الغزالي عن الشخصيات التي تأثّر بها في حياته العلمية والدعوية ، فكان جوابه : « تأثّرت بالشيخ عبد العظيم الزرقاني الذي كان مدرّساً بكلّية أُصول الدين ، وهو صاحب كتاب : « مناهل العرفان في علوم القرآن » ، وكان عالماً يجمع بين العلم والأدب ، وعباراته في كتابه المذكور تدلّ على أنّه راسخ القدم في البيان وحسن الديباجة ونقاء العرض . وفي معهد الإسكندرية الديني تأثّرت بالشيخ إبراهيم الغرباوي والشيخ عبد العزيز بلال ، وكانا يشتغلان بالتربية النفسية ، ولهما درجة عالية في العبادة والتقوى ، وكانا يمزجان الدرس برقابة اللَّه وطلب الآخرة وعدم الفتنة بنيل الإجازات العلمية ؛ لأنّ للألقاب العلمية طنيناً ربّما ذهب معه الإخلاص المنشود في الدين . وقد تأثّرت أيضاً بالشيخ محمود شلتوت الذي أصبح فيما بعد شيخاً للأزهر ؛ إذ كان مدرّساً للتفسير ، وله قدرة ملحوظة في هذا المجال ، إلى جانب رسوخ قدمه في مجال الفقه وعلوم الشريعة إجمالًا ، وقد كان رحمه الله شخصية عالمية بارزة يلتفّ حولها الكثيرون . أمّا تأثّري الأكبر فقد كان بالإمام الشهيد حسن البنّا ، وكان عالماً بالدين كأفقه ما يكون علماء العقيدة والشريعة ، وكان خطيباً متدفّقاً ينساب الكلام منه أُصولًا لا فضولًا وحقائق لا خيالات . . وكان حسن البنّا يدرك المرحلة الرهيبة التي يمرّ بها الإسلام بعدما سقطت خلافته ، وذهبت دولته ، ونجح المستعمرون شرقاً وغرباً في انتهاب تركته ، فكان الرجل يعارض هذا الطوفان المدمّر عن طريق تكوين الجماعات التي تعتزّ بدينها ، وتتشبّث بالحقّ مهما واجهت من متاعب أو عوائق أو ويلات . حسن البنّا كان صديقاً لكلّ من يلقى من أهل الإيمان ، فتغمرك بشاشته عندما تراه ، وتشعر -